حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

192

شاهنامه ( الشاهنامه )

تكافحه خطوب الدهر حتى * كأن لديه للأيام ثارا وتغزوه بجيش بعد جيش * وها هو يوسع الكل انكسارا بصولة نافض عن لبدتيه * حكت أظفاره الأسل الحرارا وسطوة رابض في ظل بأس * يشق به على الفلك الصدار وكما عاد جيو بلدىّ هذا العبد إصبهان َ ، بعد أن طالت سفرته ، وتمادت غربته ، مقرون السعي بالنجاح ، فائزا بالمعلّى من القداح فكذلك هو يرجو أن يثنى عنانه ، ويعاود أوطانه ، صاعد الجد ، وأرى الزند ، بسعادة مولانا السلطان الملك المعظم ، سيد ملوك العرب والعجم - لا زال ممتعا بالبقاء ، متلفعا بملابس المجد والسناء آمين . نعم فانتهى جيو ذات يوم إلى مرج كثير النبات معشب الجنبات ، فخلع الجام فرسه ، وأرسله يرعى ، وقعد متفكرا في حاله وما يعانيه من وعثاء سفره ، وقال في نفسه : كأنه كيخسرو لم يولد ، وإن كان قد ولد فقد مات وفات . فبينما هو كذلك متحيرا واليأس آخذ بمخنق أمله ، والندم قارع سن عمله إذ تراءى له من البعيد شخص كالقمر الطالع والسرو الباسق ، بيده جام من الرحيق ، وفي رأسه طاقات من نوّار الأرض وأزاهيرها ، يترقرق في وجهه ماء السعادة وتلوح فيه آثار السيادة ، كأنه معتصب بتاج السلطنة وقاعد على تخت المملكة . فقال جيو في نفسه : يشبه أن يكون هذا مقصودى ومن أنا باذل في طلبه مجهودي . ثم إنه لما وقعت عينه على جيو أقبل اليه وهو يضحك . فتلقاه جيو ، وقال : أيها الملك الشهريار الكبير ! ما أشك أنك كيخسرو بن سِياوخش . فقال : وأنا ما أشك أيضا أنك جيو بن جوذرز . فقال : أيها الملك ! من أخبرك عن جوذرز ؟ ومن أين تعرف جيوا ؟ فقال : أخبر تنى بذلك أمي عن أبي سياوخش . فإنه حين أوصى إليها أخبرها بأنك تقدم من نواحي إيران ، وتستصحبني إليها . فقال جيو : أيها الملك ! وما الذي معك من علامة الكيانية ؟ فكشف عن جسمه ، وأراه شامة سوداء في عضده كنقطة من المسك على عمود من الكافور . وتلك علامة صحة النسب واتصاله بكيقباد . فلما رآها أكب عليها يقبله ويبكى . ثم سايله عن إيران وعن الملك كيكاوس وعن جوذرز وعن رستم بن دستان . وخرجا معا من ذلك المرج . وطفق كيخسرو يسايل جيوا عن حاله ، وما تحمله في مدّة سبع سنين من سفره ، وعن مطعمه ومشربه . فأخبره عن منام جوذرز وخروجه بسبب ذلك ، وأخبره بضعف كيكاوس بالكبر ، وانكساره بمقتل